التوجه الأمازيغي الكفاحي

من أجل حركة أمازيغية ديمقراطية تقدمية جماهيرية مناضلة و كفاحية متجهة نحو التغيير الجذري و الحقيقي للأوضاع الثقافية و الإجتماعية و الإقتصادية والسياسية و البيئية بالمغرب


نص مقال حول “نص مقال حول ما وقع بغزة”

كتبهاAMGHNAS ، في 26 مارس 2009 الساعة: 16:58 م

 

نص مقال حول "نص مقال حول ما وقع بغزة"
عن "التضامن الإنساني والتضامن العرقي"
 
   نشرت جريدة المنتدى الأمازيغي العدد 3 مقالا في صفحتها الخامسة، للأستاذ أحمد عصيد ينتقد فيه مقالا لجريدة التجديد بعنوان "يا أمازيغ المغرب أين أنتم من فلسطين؟"، الذي كتبه صاحبه تحت تأثير التهييج الأيديولوجي.. بسبب الإدمان على مشاهدة القنوات المشرقية. أما رد عصيد فقد كان، حسب رأينا تحت تأثير جاذبية النضال المؤسسي والديمقراطي والمشروع، التي جعلته يركض إلى دهاليز المعهد الملكي، خوفا من تعقيدات النضال الميداني الذي كانت ستفتتحه مسيرة "تاوادا". وأتبعه بمقال نشر بالجريدة الأولى تحت عنوان "التضامن الإنساني والتضامن العرقي". وانخرطت في النقاش مجموعة أخرى من الجرائد (الصباح، العالم الأمازيغي).
   بدءا، لا بد من التنويه بهذه النقطة عند عصيد، فهو لا يكرر على غرار البعض، بأننا لسنا معنيين بالصراع الدائر بالشرق الأوسط ويدخلون في تمتين عرى الصداقة بين الأمازيغ والإسرائيليين، بمبرر أننا لن نكون فلسطينيين أكثر من الفلسطينيين أنفسهم، الذين يجلسون إلى طاولات المفاوضات مع الإسرائيليين ويعملون في مصانعهم ووو… (علي امصوبري، جريدة العالم الأمازيغي). عصيد على الأقل ينادي بنوع آخر من التضامن، وإن كان ناقصا كما سنرى.
   انتقد عصيد نداء الباحث عن الأمازيغ في التضامن مع فلسطين، ورد له الصاع صاعين عندما ذكره أن السؤال الحقيقي هو وينكم يا عرب؟ كما صاحت إحدى السيدات في نشرات الأخبار. لكن يجب أن يتذكر الأستاذ أن النداء كان يخص الأنظمة والحكام والملوك، لا الشعوب، حيث رفعت شعارات من قبيل: "الشعوب تقاوم، الأنظمة تساوم"، "يا حكام الهزيمة عطيو للشعب الكلمة".
   لذا نستغرب من أستاذ، طالما كرر في كتاباته إيمانه بالنسبية والتناول العقلاني للأمور. إذ سقط في نفس الخطأ الذي أخذه على الرجعي من صحيفة التجديد. فاستبدل عبارة "يا أمازيغ المغرب أينكم من التضامن مع فلسطين" بعبارة "يا عرب، أينكم من التضامن مع فلسطين". الأول يبحث عن الأمازيغ بالمطلق، والثاني عن العرب بالمطلق.
   أورد عصيد مثال شفيق الداعي إلى التضامن مع الأكراد، ورفض المنظمة المغربية ذلك، كمثال على التضامن الإنساني عند الأول، نقيضه العرقي عند الثانية. لكن لنذكر عصيد أنه في نفس الوقت الذي قتل فيه صدام الآلاف من الأكراد، كان نظام الحسن الثاني ينكل بالمئات من الصحراويين أنصار استقلال الصحراء، ويقتل بالرصاص الحي العشرات في انتفاضات الخبز (1981/1984)، ولا بيان صدر عن شفيق. لا بد أن معادلة الإنساني والعرقي، لا تدخل هنا، بل موقع شفيق المؤسساتي، كما موقع عصيد الآن.
   إذا كانت صحيفة التجديد الرجعية أخطأت الجهة، فقد حاول عصيد الركوب على هذا الخطأ لتمويه المسألة. فنحن لا نسأل عن موقع "الأمازيغ" هكذا بالمطلق. بل عن موقع إطارات وجمعيات الحركة الأمازيغية وامتداد هذه الأخيرة بالجامعة.
   تنتقد هذه الإطارات، وبكل جرأة، التضامن الأحادي الجانب مع قضايا "العرب" كما تسميها مع إهمال القضايا الأقرب: القبايل والأمازيغ بشكل عام، فالأقربون أولى بالمعروف. وتسقط في نفس الخطأ إذ نجدها تهيج وتميج كلما تفجرت مسألة تتعلق بالأمازيغية، بينما يركنون إلى السكوت عندما يتعلق الأمر بتقتيل شعب بكامله (فلسطين)، واحتلال بلاد بكاملها (العراق). بل نجد بيانات تتجاسر لتتضامن مع الأكراد بل حتى مع التيبت.
   وليس هذا الموقف خاصا بصديقنا عصيد بل يتشاركه مع آخرين، نقدم عنهم مثالين:
   "ومن المفارقات أيضا، أن الأجهزة الإعلامية، المرئية منها والسمعية، فضلت أن تسافر عبر القارات، لتنقل لنا وقائع سكان غزة، بدل أن تنقل إلى مشاهديها صور إخوانهم المغاربة ضحايا الفيضانات والقمع البوليسي". أمينة بن الشيخ. جريدة العالم الأمازيغي العدد 106
   "نسجل أيضا السماح بالتضامن مع المنظمات الفلسطينية "كحماس"، وقمع تضامن الأمازيغ مع أنفسهم.."مراسلة الكونغريس العالمي الأمازيغي للبرلمان الأوربي، منشورة بالعالم الأمازيغي نفس العدد.
   إن اختصار التضامن مع الشعب الفلسطيني كما يقوم به "مهيجو الإسلام والقومية العربية" مرفوض تماما، كما هو مرفوض استعمالهم السياسوي لهذا التضامن. لكن حصر الاهتمام بقضايا شمال إفريقيا ومد التضامن ليشمل التبت والأكراد والهنود الحمر، دون الانتباه لما يقع بفلسطين والعراق، تضامن ناقص ومبتور، وهو مرفوض أيضا، كما هو مرفوض استعمال القضية الأمازيغية للدخول إلى مؤسسات الدولة (المعهد).
2- طبعا لم يفوت عصيد هذه الفرصة، ليشرح طبيعة تضامنه: "التضامن الذي ننضم له، هو التضامن الذي في قلوب الناس من مختلف الفئات والأعمار، وهو تضامن صادق وعفوي.. لكنه لا يجد المجال الذي يعبر فيه عن نفسه سوى الفضاءات الخاصة، أما الفضاءات العامة فيحتكرها أناس آخرون لهم في التضامن مآرب أخرى".
   إن رفض عصيد للمشاركة في المزايدات السياسية والاستعمال السياسوي للتضامن مع فلسطين، دفعه إلى تفضيل التضامن السلبي الذي لا يلزم صاحبه الإتيان بأي فعل. إنه تفضيل تغيير المنكر بالقلب، وهو أضعف الإيمان، إن لم نقل الإيمان الضعيف وهو ما يناسب عصيد.
    تجلى التضامن مع الشعب الفلسطيني في عدة أشكال:
* الالتحاق بالتظاهرات التي دعت لها الإطارات، ومن بينها إطارات "مهيجي الإسلام والقومية العربية بيسارييها ويمينييها".
* التظاهرات العفوية التي خرجت من المؤسسات التعليمية، ولم تكن مؤطرة من أي تيار أو إطار. بل خروج شبيبة صدمها عنف التدخل الإسرائيلي في حق شعب أعزل.
* تأوهات الأمهات والعجائز والشيوخ "بالفضاءات الخاصة"، العاجزين عن الإتيان بأي رد فعل، وتوكيل أمر الانتقام من العدو الصهيوني إلى الله، وهو "التضامن الذي غي قلوب الناس من مختلف الفئات والأعمار".
   في أي صف يجد عصيد نفسه؟ وماذا يعني الالتزام "بالتضامن الذي في قلوب الناس"؟ إن "الناس"، وعصيد مدرك لذلك كونه أستاذا للفلسفة، يتأثرون بما يتلقونه من أفكار وتصورات من أجهزة الإعلام والتلقين والمؤسسات الدينية. لذلك اكتسى "التضامن الذي بقلوب الناس" طابعا مشابها لما يروج له "مهيجو الإسلام والقومية العربية". فهل هذا هو التضامن الذي يلتزم به عصيد، أم أنه يقصد أناسا آخرين، أفكارا مجردة عن أناس في دماغه فقط، ولا وجود واقعيا لهم؟.
   أشار عصيد إلى أن هذا التضامن منحصر في الفضاءات الخاصة، "أما الفضاءات العامة فيحتكرها أناس آخرون لهم في التضامن مآرب أخرى". إذا كان عصيد يقصد بالفضاءات العامة؛ الشوارع والأحياء، فلا أحد سيمنعه من النزول إلى الشوارع والصراخ تضامنا مع الفلسطينيين، سوى تفضيله (كليبراليي حتى النخاع) للعمل داخل المؤسسات التي لها جاذبية كبيرة على النخب المثقفة، وهو ما دفعه منذ مدة إلى القناعة بفتات المعهد الملكي، بدل النضال المستميت من أجل مطالب الحركة الأمازيغية بالشارع كما فعل رفاقنا بالقبايل.
  3- الخطأ الثاني الذي وقع فيه عصيد هو اختزال التضامن مع فلسطين في النزول إلى ساحة المسيرات التي ينظمها "مهيجو الإسلام والقومية العربية". لا نعرف بالضبط لماذا يلزم عصيد نفسه بالمشاركة في هذه المسيرات. لماذا لا يدعو إطارات الحركة الأمازيغية ومعها "الناس من مختلف الفئات والأعمار" إلى التظاهر تضامنا مع فلسطين، تكون مناسبة لإظهار التضامن الحقيقي البديل عن الاستعمال السياسوي للتضامن من "طرف مهيجي الإسلام والقومية العربية".
   ثم إن منطق التضامن لا يفرض شروطا مسبقة، عن نوايا المتضامنين الآخرين. فكيف سيميز "الناس من مختلف الفئات والأعمار"، المتضامن عن قناعة والمتضامن لحاجة في نفس يعقوبه. إن السبيل الوحيد لذلك هو النزول إلى التظاهر مع أي كان، كيفما كانت خلفيته الإيديولوجية أو دوافعه السياسية، مع الاحتفاظ بحق نقده. إن الاقتصار على النقد مع الركون إلى السلبية لن تكون نتيجته سوى تقوية تأثير "مهيجي الإسلام والقومية العربية" في صفوف "الناس من مختلف الفئات والأعمار".
   لم يفلت عصيد هذه المناسبة ليذكر كاتب صحيفة التجديد بمشاركته "في إحدى مسيرات التضامن مع فلسطين قبل سنوات باسم لجنة البيان الأمازيغي.. غير أن تجربتنا تلك أصابتنا بخيبة مريرة، أدركنا بعدها حقيقة مسيرات التضامن المذكورة التي هي وقف على التيارين المذكورين.. وفضلنا منذئذ الانضمام إلى الشعب المغربي في تضامنه الإنساني خارج الطوائف السياسية والمزايدات العرقية..".
   لقد كان ذلك قبل دخولك للمعهد الملكي. أما الآن فكل مبادراتك يحدها انتمائك إلى هذه المؤسسة والرغبة في الحفاظ على كرسيك داخلها. ثم إن صبرك قليل، فخيبة أمل مسيرة واحدة جعلتك تتخلى عن معركة كسب الجماهير، إن كانت لك أصلا هذه النية، وتركها لقمة سائغة لـ"مهيجي الإسلام والقومية العربية". أما تفضيلك "الانضمام إلى الشعب المغربي في تضامنه الإنساني"، فمزايدة لغوية لا طائل منها. فما نفع "تضامن إنساني" لا يلزم صاحبه بتظاهرة في الشارع، ولا بتوقيع عريضة، ولا التزام ميداني.
   ثم كيف يتصور عصيد النضال من أجل فلسطين. هل يتصور أن يستقبله "مهيجو الإسلام والقومية العربية" بالزهور والزرابي ودقات البندير. إن التضامن مع فلسطين معركة سياسية بالدرجة الأولى؛ ضد النظام الذي يحاول طمس دوره المتواطئ مع الإمبريالية والصهيونية، وضد كل التيارات التي تحاول تحريف الصراع الدائر في الشرق الأوسط نحو آفاق دينية أو عرقية. إن عصيد الذي يتصور الصراع الدائر بالمجتمع، كأنه صراع بين تصورات وأفكار وإشكالات وبرادبمات، تجري في قاعات الجامعات والصالونات المكيفة بين متحاورين يؤمنون بالنسبية والعقلانية إلى غير ذلك من ترهاته الفلسفية، تخيفه فكرة الصراع الشرس بين التيارات إلى حدود التشابك بالأيدي، وفضل بدلا عن ذلك الهروب إلى منطق إنساني عام ومبهم لا يلزمه بشيء محدد.
4- ينتقل عصيد إلى شرح موقفه عما يدور بالبيت الفلسطيني، مبينا عن قصور نظره، كما عن أحادية نظرته لما يجري هناك.
   "إننا مع الفلسطينيين كشعب ولكن ضد حماس والجهاد وكل المتاجرين بالدم الفلسطيني من الخطباء والمهيجين الذين يحرضون على القتال ثم يختبئون في الأنفاق ويخرجون بعد ذلك للإلقاء الخطب حول النصر المبين"
   عصيد مع الفلسطينيين، ولكن ضد حماس. لكن الفلسطينيين مع حماس، وقد اختاروها بطريقة ديمقراطية وبصناديق الاقتراع. وهو ما لم يعجب مبشري الديمقراطية الإمبرياليين وشرعيتهم الدولية التي يتغنى بها عصيد. وحاولوا جاهدين عقاب الشعب الفلسطيني على خياره هذا أولا بالحصار، ثم بدفع ما يسميه عصيد "المفاوض الفلسطيني" في شخص حركة فتح، إلى تدبير الانقلاب ما دفع حماس إلى القيام بضربة استباقية ضد حركة فتح في قطاع غزة، انتهاء بالحرب الهمجية الأخيرة من طرف إسرائيل، كل ذلك أمام صمت مؤسسات "الشرعية الدولية" التي لا تتحرك إلا بناء على أوامر واشنطن.
   إن نزعة عصيد الديمقراطية ناقصة. فهو معها شرط ألا تأتي بتيارات لا تؤمن بالديمقراطية إلى السلطة. وهو نفس جوهر الفكرة التي عبر عنها منظر الإمبريالية صموييل هانتنغتون بعبارة "مفارقة الديمقراطية". فالولايات المتحدة تبشر بالديمقراطية، لكن بشرط أن تأتي إلى السلطة قوى موالية لها، لا مناهضة لها كيفما كانت خلفيتها الأيديولوجية. وهو نفس منطق الأحداث الذي وقع بالجزائر سنة 1991 عندما فازت جبهة القوى الإسلامية بالانتخابات فدبر الجيش انقلابا بدعم من الدول الإمبريالية كانت نتيجته أسوء، ودفعت الجماعات الإسلامية إلى مزيد من التطرف، ما كانت بلغته لو تركت لها فرصة العمل الحكومي، الذي سيظهر حدودها وعجز شعاراتها عن تلبية رغبات الشعب المكتوي بسياسات التقويم الهيكلي، ولما تجاوزت ما يقوم به حاليا حزب "العدالة والتنمية التركي"، أو تجربة مسخه المغربي في تجربة تسيير الجماعات المحلية.
   "نحن ضد همجية الانتقام الوحشي التي عبر عنها الإسلام السياسي الفلسطيني عند انقلاب غزة، وضد كل المناورات الهادفة إلى إفشال المفاوضات السياسية بصواريخ لا تقتل أحدا".
   نعم، نحن ضد الأعمال الانتقامية التي قامت بها حماس في غزة، وضد إلغاء حق العمل السياسي لمعارضيها هناك (خصوصا فتح). لكن لماذا التركيز على هذا فقط. لماذا لا ينتقد عصيد قيادة فتح التي انخرطت في مسلسل استسلامي، يضحي بالحقوق التاريخية للشعب الفلسطيني واحدا تلو الآخر، مقابل قطعة أرض كيفما كان حجمها، لتمارس عليها سلطة "دولتها المفتقدة إلى أرض".
   إن صواريخ المقاومة، ليست إلا ذريعة تبرر بها إسرائيل أي حل متفاوض عليه. ولو لم تسقط الصواريخ لاخترعت إسرائيل ذريعة أخرى. فمنطقها التوسعي وكونها كلب حراسة للإمبريالية بالمنطقة واستقوائها بأمريكا وتأكدها من عدم تدخل "الشرعية الدولية" هو ما يدفعها إلى إفشال المفاوضات السياسية وليس صواريخ حماس. والعبرة من فشل اتفاقيات أوسلو ومدريد رغم جسامة التنازلات التي قدمتها منظمة التحرير الفلسطينية تحت قيادة فتح.
  ثم ماذا استفاد عصيد من تاريخ حركات التحرر. إن المقاومة العنيدة للشعب الفيتنامي، هو ما فرض على أقوى دولة في العالم الانسحاب، وليس "المفاوض الفيتنامي" أو "الشرعية الدولية". والأمثلة كثيرة لا مجال لسردها. بينما "المفاوض المغربي" و"الشرعية الدولية" أفرزا استقلال شكليا فارغا من كل محتوى ومحافظا على التبعية الاقتصادية والسياسية لفرنسا حتى بعد خروجها.
5- "إننا نؤمن بأن القضية الفلسطينية هي قضية إنسانية أكبر من العرب والمسلمين.."، لكنك لا تؤمن أنها أكبر من مقعدك في المعهد الملكي.
   "..وأن الذين عربوها وأسلموها قد أفقدوها تضامن العالم القوي، وحولوها إلى مسرحية مملة تعب منها الجميع". إن الذين يفقدون القضية الفلسطينية أي مصداقية هم من أطلقت عليه "المفاوض الفلسطيني" بممارساتهم المؤامراتية وتنازلاتهم الخيانية. أما تضامن "العالم القوي" فلم ينقص، والدليل هو المسيرات التي خرجت بالآلاف في كل بقاع العالم للتضامن مع الشعب الفلسطيني وإدانة الوحشية الصهيونية. وقضية شعب فلسطين ليست مسرحية مملة، بل مأساة إنسانية تستدعي التضامن الفعلي والميداني، والنضال ضد حلفاء عدوها الذين يعتبرهم عصيد المدافعين عنها. وأظن أن التضامن لن يتأثر بملل يائس مثلك.
   ".. من الضروري خلق التكتل العالمي ضد التعنت الإسرائيلي، وهو التكتل الذي تنسفه مغامرات المتطرفين".
   نعم، نحن متفقون تماما مع عصيد. هذه المهمة لم تعد ضرورة، بل سيرورة جارية. لكن ليس كما يتصورها عصيد خاضعة "للشرعية الدولية" الخانعة أمام جبروت أمريكا، بل من طرف الحركات المناضلة بكل بقاع العالم: الحركة المناهضة للعولمة والحروب، الحركة النسائية العالمية المناضلة ضد الفقر والعنف، حركة أطاك الدولية… أما تكتل عصيد فلن يتشكل أبدا، ليس بسبب مغامرات المتطرفين، بل بسبب وحدة مصالح المضطهدين (بكسر الهاء) على المستوى العالمي ضد مصالح الشعوب المستضعفة. ولن يتشكل هذا التكتل إلا بوصول حكومات مناهضة للإمبريالية، على غرار فنزويلا التي استفردت بقرار طرد سفير إسرائيل. ونتمنى أن يدفع التضامن "الإنساني" عصيد إلى مطالبة الدولة المغربية بطرد ممثل إسرائيل من أراضيها، لكن احترام "الشرعية الدولية" سيمنعه من ذلك.
6- كرر عصيد نفس ترهات المواليين للغرب في لبنان إبان حرب الثلاثين يوما، ونفس ما قاله عباس إبان الحرب الأخيرة على غزة. إن المسؤول عن الحرب هو حماس، وقد جلبت على الشعب الفلسطيني الدمار في الوقت الذي لم تكن قادرة على حمايته.
   لو كان هذا المنطق صحيحا لما تخطت البشرية مرحلة العبودية. نحن نعرف تماما أن المقاوم يجلب على نفسه دائما جبروت وانتقام المحتل، وهذا ما وقع طيلة تاريخ البشرية. فالخطابي كان يعرف جبروت إسبانيا وفرنسا، وجلب لشعب الريف الدمار والسلاح الكيماوي، لكن لم نسمع أحدا يتهمه بذلك (عصيد أيضا لن يجرؤ على ذلك)، أو يحمله مسؤولية اندلاع الحرب، فإسبانيا المحتلة هي التي تتحمل المسؤولية. وهوشي منه كان يعرف تمام المعرفة جبروت عسكر أمريكا، الذي أسقط أكثر من مليوني قتيل فيتنامي، لكن ذلك لم يثنيه عن الاستمرار في القتال، ما خلق حركة عالمية مطالبة بانسحاب جيش الولايات المتحدة من الفييتنام، ولم نسمع أحدا يتهمه بجلب الدمار إلى الفييتنام. إن أمثال الخطابي وهوشي منه هم من يحفظ لهم التاريخ ذكراهم وليس أمثال سعد الحريري وعباس وعصيد.
   7- يهتم عصيد كثيرا بالاستعمال السياسوي لـ"مهيجي الإسلام والقومية العربية" للقضية الفلسطينية، ويرفض بشكل مطلق مزايداتهم العرقية على هذه القضية. لكن يغض الطرف كثيرا عن مستعملي القضية الأمازيغية لأغراضهم السياسية والانتفاعية، وهو بينهم. كما تعج الساحة الإعلامية والجمعوية بمزايدين عرقيين على القضية الأمازيغية، يبيض الأستاذ عصيد صفحاتهم السوداء بحديثه عن حضارية الحركة وسلميتها وحداثتها، وكما فعل بولكيد عندما برر للأستاذ الدغرني "الصيغة الانفعالية التي عبر بها.. إن الأمر لا يهمه" إشارة إلى ما وقع بغزة.. إلخ
8- أما بالنسبة للرجعي من التجديد، فإن ما كتبه لن يبيض صفحة حزبه الرافض دوما الاستجابة لمطالب الحركة الأمازيغية المشروعة، ويستغل دائما مثل هذه الفرص لتصفية حساباته معها (خصوصا إذا تذكرنا هزيمته في معركة الحرف). ويكفينا ردا عليه ما كتبه بولكيد في جريدة العالم الأمازيغي: "استغلال مأساة الشعب الفلسطيني لحساب أجندة حزبها السياسي داخليا وخارجيا، وذلك باستثمار دماء القتلى والجرحى من الأبرياء في غزة استغلال سافرا وانتهازيا"… لخدمة خطها الأيديولوجي و "لتغطية فضائح الفساد المستشرية الطاغية أخيرا داخل حزب العدالة والتنمية..".
9- أنهى عصيد مقاله بالجريدة الأولى، بعبارات تذكرنا بما كتبه المستشرقون في دراستهم لشعوب الشرق جاعلين الفارق بين الشرق والغرب فارقا "بين الجوهر المزعوم بين الطبيعة الشرقية من ناحية والطبيعة الغربية من ناحية أخرى لصالح التفوق الكامل للطبيعة الغربية.. بردها إلى طبائع ثابتة وليس صيرورات تاريخية متبدلة. صادق جلال العظم". يقول عصيد "إن العالم المتقدم ما فتئ يعطي العرب الدروس تلو الدروس، أي بعد أن يحصدوا الهزائم، وتغصبهم قوة قاهرة على الاستسلام.." وهي نفس الصورة التي ترسمها الإيديولوجية الصهيونية عن العرب "لا يفهمون إلا بالعصا".
   "لم يصل العرب المسلمون بعد إلى مستوى فهم معنى التضامن الإنساني"، الذي تقدم مثالا عنه بغض الدول الأوربية في دعمها لفلسطين.
   إن الدول الأوربية لم تتضامن مع فلسطين، بل الحركات المناضلة بأوربا والتي تجد امتدادات لها بشمال أفريقيا والشرق الأوسط (الحركة المناهضة للعولمة). وهو ليس تضامنا إنسانيا هكذا بالمطلق، بل تضامنا سياسيا له مضمون طبقي محدد وهو: مناهضة العولمة الرأسمالية والحروب الإمبريالية.
   "هذا النوع من التضامن هو من نتائج حداثة الفكر والسلوك، وثمرة تضحيات وثورات..". هذا لا يعني أن عصيد المولع بالحوار والصراع بين التصورات الماضوية والحداثية، وليس الصراع بين الطبقات، مستعد لتقديم هذه التضحيات وخوض هذه الثورات، بل يرى أن هذا السلوك سيخرج من مؤسسات الدولة (كالمعهد)، وسيكون ثمرة توافق مع المؤسسة الملكية.
   "مازال العرب المسلمون بحاجة إلى بعض الوقت لتعلمه، لأنهم لم يدخلوا بعد عالم الحداثة، ولم يغادروا بعد عالمهم القومي- الديني العشائري.. في الوقت الذي بدأ فيه العالم المتقدم في التخطيط لما بعد الحداثة". لا بد أن التغيرات الاقتصادية الاجتماعية التي حدثت بالعالم العربي منذ دخول الاستعمار إدخال نمط الإنتاج الرأسمالي وتعميق تلك التغيرات مع الهجوم الرأسمالي المضاد منذ بداية الثمانينات، غائبة عن ذهن عصيد، وما بقي جامدا في هذا العالم (البنيات الذهنية والسياسية)، فهو عين ما تقدم له خدماتك بالمعهد الملكي بالمغرب.   إن الأفكار والتمثلات يا أستاذي في الفلسفة، لها استقلاليتها النسبية عن البنيات الاجتماعية التي أفرزتها، قد تهلك الأولى بينما تبقى الثانية معششة في عقول الناس زمنا طويلا.
   أما عن الغرب الذي يخطط "لما بعد الحداثة"، فهو عينه الغرب الذي يدعم الأنظمة الدينية والعشائرية خدمة لمصالح بالمنطقة، وهو الغرب الذي تنمو فيه موجات الكره القومي للأجانب واحتقار سكان العالم الثالث. ونفسه الغرب الذي دعم صدام في تقتيله الأكراد بالسلاح الكيماوي الذي نعته الأستاذ بولكيد "بالسلاح النووي العربي".
   هذا "الغرب الحداثي" والذي يخطط لما بعد الحداثة، هو الذي يستعمل يافطة حقوق الإنسان ويتاجر بآلام سكان دارفور كما استغل من قبل مآسي الشعب العراقي، رغم أن هو من صنعها بنفسه. هذا الغرب يستعمل كل هذا لتحقيق مآربه في المنطقة؛ صنع أنظمة مطيعة (لا تدعم الإرهاب). أليس تركيز الغرب على دارفور "تضامنا أحادي الجانب". فلماذا لا تصدر محكمة العدل الدولية قرارا باعتقال أولمرت رامسفيلد وعسكر الجزائر والمتورطين في الجرائم ضد الإنسانية بدول أمريكا اللاتينية؟ لأنه بكل بساطة، تلك أنظمة عميلة لأمريكا، ولا علاقة لمآسي الشعوب بقرار محاكمة البشير.
10- يجب ان يعي مناضلو الحركة الأمازيغية فكرة أساسية، وهي أن مصلحة قضيتنا لن تتحقق بجعل كل ما يأتي من المشرق منبوذا. إن مأساة الشعب الفلسطيني لا علاقة لها بما يروج له منظرو القومية العربية الشوفينيين، ولا قاسم مشترك بينها وبين دعوة البعض إلى إماتة اللهجات الأمازيغية أو التصفية العرقية لصنع الانسجام العرقي في وطني يمتد من البحر إلى النهر.
   إن أي نضال من أجل القضية الأمازيغية لن يستقيم دون جعل التضامن مع الشعب الفلسطيني من باب الأولويات. كما أن النضال من أجل حرية الشعب الفلسطيني لن يستقيم دون جعل القضية الأمازيغية من باب الأولويات. وكل هذا وذاك دون النضال ضد الحكومات الرجعية بالشرق الأوسط وشمال إفريقيا، التي تتفرج على مأساة الفلسطينيين كما على مأساة شعوب بلدانها التي تبيعها في المزاد العلني للشركات المتعددة الجنسيات والرأسمال العالمي. إن هذا شرط لا بد منه لتقدم النضال في المنطقة، أما المماحكات القومية فلن تجدي نفعا، بقدر ما ستديم التفرقة بين شعوب المنطقة التي تأبدها الإمبريالية وعملائها بالمنطقة.
   ومسك الختام مقولة قائد الجيش الزباتي ماركوس الذي يصف نفسه بأنه " مثلي جنسيا في سان فرانسيسكو، وأسود بجنوب أفريقيا، ومن السكان الأصليين في طرقات سان كريستوبال، ويهودي بألمانيا، ومناضل من أجل السلام بالبوسنة، ومن قبيلة الهنود "المابوش" في جبال الأنديز". إنه التضامن الإنساني عن حق، لكن الفرق هنا أن ماركوس قالجملته هذه والسلاح بيده، بينما عصيد يعجز حتى عن التفكير فيه. إنها النزعة الأممية التي نفتقدها داخل الحركة الأمازيغية، والتي عبرت عنها صرخة كارل ماركس في البيان الشيوعي منذ 1848 "ليس للعمال وطن".
التوجه الأمازيغي الكفاحي
أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  


اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر