الأسس التاريخية
إن هذا النص هو ترجمة للفصل السادس من الجزء الثاني لكتاب “مجدي مجيد” : “الصراعات الطبقية منذ الاستقلال”, الذي تم نشره باللغة الفرنسية سنة 1987 منشورات “حوار” بروتردام بهولندا. تتعرض هذه الدراسة, كما يتضح من عنوانها, بالتحليل للأسس التاريخية لإشكالية الخصوصيات الإثنو-ثقافية بالمغرب.
و قد أنجزها مجدي مجيد شأنها في ذلك شأن الجزء الثاني من كتابه, على ضوء الانتفاضات الشعبية التي شهدتها بلادنا في شهر يناير 1984.
لذلك, فهي لم تكن تلبية لترف فكري ما لدى المؤلف, بل عملا نضاليا استجاب لحاجة موضوعية فرضتها تلك الانتفاضات و خاصة منها انتفاضات جماهير الشمال المغربي.
إن دراسة علمية لإشكالية الخصوصيات الإثنو-ثقافية بوجه عام, للخصوصيات الإقليمية ببلادنا بكل مدلولاتها و تنوعها من منطقة إلى أخرى / أو تقاطعها بين منطقة بين منطقة و أخرى, تعتبر ضرورة لا محيد عنها بالنسبة للثوريين المغاربة إن هم أرادوا بلورة استراتيجية ثورية ترتكز على المعطيات الأساسية لواقع بلادنا في مجمل تعقيداته.
كشفت انتفاضات يناير 1984 ظاهرة جد هامة تتعلق بتاريخ المغرب و تشكل الوطن المغربي, ذلك أن امتداد الثورة الشعبية إلى مجموع الشمال المغربي (منطقة الحماية الإسبانية سابقا) و مستوى العنف الممارس و طول الانتفاضات من الناحية الزمنية و مشاركة فلاحي القرى القريبة من المدن, كلها تطرح بحدة مشكلا ظل لوقت طويل يعتبر كموضوع محظور في المغرب.
إن النقاش حول هذا المشكل ظل محاصرا لأن أغلب القوى السياسية تعتبر كل مطلب إثنو-ثقافي كمطلب ” متخلف”, إن لم يكن انفصاليا, لكن يجب الإشارة إلى أن بعض القوى السياسية بدأت تطرح المشكل “الأمازيغي” لكن باختزاله في مشكل لغوي, كما أن قوى أخرى تتكلم عن ” تخلف” أو ” تهميش” بعض المناطق, كالريف مثلا و تقترح برامج خاصة للتنمية الاقتصادية و الاجتماعية لهذه المناطق.
لكن كل هذه القوى تنطلق من تصور ممركز و يعقوبي للدولة يجد جذوره في نظرة خاطئة لتاريخ المغرب.
إن هذه النظرة التي هي نظرة البورجوازية الوطنية التي قادت الحركة الوطنية خلال الكفاح من أجل الاستقلال تعتبر البلاد ككيان تشكل منذ 14 قرنا و حكم منذ ذلك الحين بواسطة دولة مركزية كانت تتحكم في مجموع تراب البلاد, و بالتالي أدى ذلك إلى انمحاء الخصوصيات الإثنو-ثقافية.
إن الجناح الجدري وسط الحركة الوطنية, و لاعتبارات تختلف عن اعتبارات البورجوازية الوطنية – التي كانت تحاول فرض منظورها لتاريخ المغرب لخدمة محاولاتها إنشاء سوق وطنية و لإعطاء مشروعية لقيادتها للحركة الوطنية – إن هذا الجناح تبنى نفس التصور, و لعل ذلك بسبب هيمنة المنظور اليعقوبي الممركز للدولة داخله و رغبته في إقامة دولة عصرية و وضع أسس مشروعية هذه الدولة و استغلال مشروعية الدولة و نفوذها لفرض تعبيرات اقتصادية و اجتماعية تقدمية من فوق, و ذلك بهدف هزم الطبقات السائدة (الكومبرادور و ملاكي الأراضي الكبار).
إن الطبقات السائدة بررت سيطرتها باللجوء إلى نفس الإديولوجية لكن بعض الشرائح وسطها استمرت في تأكيد خصوصياتها و استغلت العلاقات الزبونية التي تربطها بسكان مناطقها الأصلية من أجل بناء قاعدة اجتماعية/ سياسية ترتكز عليها في صراعها من أجل تحسين موقعها وسط الطبقات السائدة.
إن إحدى الأمثلة الأكثر تعبيرا في هذا المجال يتمثل في البرجوازية السوسية (التي تسيطر على قطاعات اقتصادية هامة في الدار البيضاء و مدن كبيرة أخرى) التي تطور علاقاتها مع منطقتها الأصلية سوس عبر تنظيم شبكات من الزبائن تغطي المنطقة بأكملها. إن هذه الشبكات توفر للبورجوازية السوسية قاعدة اجتماعية/سياسية هامة و مفيدة بشكل خاص في المنافسة بين مختلف شرائح الطبقات السائدة, و بالخصوص البورجوازية الأقوى أي البورجوازية الفاسية.
كذلك الأمر بالنسبة للملاكين العقاريين شبه الإقطاعيين (الملاكون العقاريون الذين يستغلون أراضيهم في إطار علاقات ما قبل الرأسمالية: خماسة أو يستفيدون من المراعي الجماعية في إطار علاقات “الشراكة” أو بواسطة الرعاة) الممثلين سياسيا من طرف “الحركة الشعبية” تحت قيادة المحجوبي أحرضان و الذين يستغلون مشكل الهوية الإثنو-ثقافية لسكان الأطلس المتوسط و الكبير لخدمة مصالحهم السياسية و الاقتصادية. إن انسحاب المحجوبي أحرضان من الحكومة يمكن فهمه كتعبير عن معارضته لسياسة القمع التي تمارسها الدولة ضد بعض أشكال التعبير الثقافي الأمازيغي (اعتقال صدقي و منع مجلة “أمازيغ” و منع انعقاد الجامعة الصيفية بأكادير). و عن رفضه للسياسة “الليبرالية المتوحشة” في الميدان الاقتصادي التي تبنتها الحكومة بتوجيه من صندوق النقد الدولي و التي ستؤدي إلى تسريع وتيرة تغلغل الرأسمالية الاحتكارية الكومبرادورية في بعض المناطق التي كانت إلى أمد قريب خارج نطاق سيطرتها (جبال الأطلس, الريف… ).
هناك عدة عوامل ساهمت في جعل نقاش الخصوصيات الإقليمية مسألة متفجرة و في منع القوى التقدمية من تجاوز المنظور البورجوازي للوطن المغربي.
- إن الاستعمار قد استغل هذه المسألة لمحاولة تقسيم الشعب المغربي و إعاقة توجيه كفاحه التحرري (و يجدر هنا التذكير ب”السياسة البربرية” المشهورة للمارشال ليوطي و الحماية الفرنسية, و خاصة الظهير البربري السيء الذكر).
- التخوف من أن الإعتراف بالخصوصيات الإثنو-ثقافية قد تؤدي إلى تقسيم كفاح الشعب المغربي و طمس التناقضات الطبقية.
- غياب وعي عميق بأن الوحدة الحقيقية للوطن المغربي لا يمكن أن تنبني على نفي الخصوصيات الإثنو-ثقافية و أن الإرتقاء إلى وحدة ترغب فيها حقا مختلف مكونات الشعب المغربي لا يمكن أن يتم فقط بواسطة مركزة الدولة, بل إن هذا الإرتقاء يتطلب معالجة ديموقراطية للخصوصيات لا تقتصر على الاعتراف بها كخصوصيات ثقافية, لغوية أو اقتصادية/اجتماعية بل تهيء كل الشروط لتنمية مستقلة و متحررة من كل أشكال القمع و الإضطهاد لهذه الخصوصيات التي تشكل مكونا أساسيا من تراث الشعب المغربي و تعبر عن التنوع الخارق للعادة و الغني الكبير للتراث التاريخي لشعبنا.
غير أن التصور البورجوازي المثالي للتاريخ المغربي لا يمكن أن يتم إلا على أساس مقاربة مادية –تاريخية لتاريخ المغرب و تفسير مادي تاريخي للخصوصيات الإثنو-ثقافية تبحث عن القاعدة المادية لهذه الخصوصيات ولاستمرارها عبر القرون وحيويتها, وهو ما سنحاول توضيحها في الصفحات التالية: نعتبر أن قدرة لغة وثقافة لمجموعة بشرية ما على الاستمرار في الحياة وأن الإحساس القوي بالوحدة التي تربط أعضاءها وتبلور وحدة سياسية وسط هذه المجموعة لا يمكن تفسيرها إلا بالكشف عن قاعدتها المادية التاريخية, وخاصة عبر استكشاف أنماط الإنتاج والبنيات الاجتماعية السائدة داخل هذه المجموعة الاجتماعية.
ومع إقرارنا بالعلاقة الجدلية ما بين الثقافة واللغة من جهة والبنية التحتية (نمط الإنتاج) من جهة أخرى, نعتبر أنه من المستحيل تفسير بروز وقدرة الخصوصيات الإثنو-ثقافية على الاستمرار في الحياة بعزلها عن تطور أسسها المادية في الإنتاج والبنيات الاجتماعية.
لا ننفي أهمية اللغة والثقافة في تشكيل الهوية بل حتى دورهما في تطور الإنتاج, لكن نعتبر أنه من باب السقوط في المثالية, إن لم يكن في العنصرية, حصر تحليل الخصوصيات الأثنو-ثقافية في الميدان الثقافي وفي “طبيعة مزعومة” أزلية وملازمة لبعض المجموعات البشرية.
إلا أن العلاقة ما بين اللغة والثقافة وأساسهما المادي ليست بسيطة, لأن البنية الفوقية تتمتع باستقلالية نسبية عن البنية التحتية الاقتصادية غير أننا نعتبر أن اندثار الأسس المادية لثقافة معينة لابد أن يؤدى عاجلا أم آجلا إلى انحلالها, أفلا يمكن وبهذه المسالة بالذات, تفسير كون ثقافة بعض المناطق في المغرب قد تحولت إلى مجرد فلكلور للسواح.؟
أن نظرة مادية-تاريخية للخصوصيات الإقليمية هي الكفيلة وحدها, في نظرنا, بتجاوز النظرة المثالية لمغرب متجانس وموحد (بالمعجزة!!) منذ أربعة عشرة قرنا (الفتح العربي – الإسلامي).أو النظريات التي تختزل البلاد في ” عجاج ” من القبائل تقاتل بعضها البعض إلى ما لا نهاية .
إن المادية التاريخية وحدها القادرة على استيعاب العلاقة الجدلية بين الأرض والثقافة بين الوحدة والتنوع .لا نزعم فيما يلي أننا قدمنا أجوبة نهائية لهذا المشكل المعقد في تاريخ المغرب والذي يشكل موضوعا ملتهبا وجد مهم في الصراع الأيدلوجي الراهن, سنكتفي بوضع اللبنات الأولى التي ستساهم في الدراسات التاريخية المعمقة (شريطة أن تبتعد عن الدروب المطروقة للبحث الأكاديمي الذي كثيرا ما يستسلم لمنطق الدولة” etat ‘ Raison d ” أو لضرورات “إجماع وطني” مزعوم) وفي توضيحها وإغنائها بل حتى تصحيحها .
من الواضح أننا نختلف مع منظري الإستعمار “لاتيراس” LA TERRASSE ” ومونتي” MONTAGNE وأضرابهما من المؤرخين المشهورين .ونظريتهم حول عداء نهائي وأزلي متوارث ما بين البربري والعرب, أو سكان الجبال وسكان السهول, أو “بلاد المخزن ” و” بلاد السيبة” وذلك بكل بساطة لأن هذه النظريات لا تاريخية. كما أننا نرفض التحاليل الجزئية والموجهة لمادحي المخزن العصريين الذين يتربعون على الكراسي في الجامعات المغربية والذين لا يفعلون, في كثير من الأحيان , سوى نبش مؤلفات المؤرخين الرسميين للسلالات الحاكمة في البلاد وتغطيتها بغطاء من العلمية التاريخية المزعومة.
لقد أصبح من المألوف, بالنسبة للمؤرخين, تقسيم المغرب إلى “بلاد السيبة” (منطقة لا تخضع لسلطة المخزن ولا تؤدي الضرائب ) و” بلاد المخزن ”
( منطقة تخضع للسلطة المركزية وتؤدي الضرائب). ومهما كانت الانتقادات التي وجهت لهذين المفهومين, ورغم توسع أو انكماش ” بلاد المخزن ” حسب موازين القوى بين المخزن ( السلطة المركزية ) والقبائل الرافضة للسلطة, فإنه مما لاشك فيه, أن مناطق هامة من البلاد وقبائل عديدة كانت لا تخضع لسلطة المخزن وتعيش بشكل مستقل, وذلك لفترة طويلة من تاريخها على الأقل .
سنحاول في هذا النص أن نبين ما يلي :
- أن” بلاد السيبة ” التي تتطابق مع جزء من المغرب غير النافع ” (إن تسمية ” المغرب غير النافع ” ترجع